محمد عبد الله دراز
355
دستور الأخلاق في القرآن
أقطع له قطعة من النّار » « 1 » . وأخيرا ، فإنّ نوعي المسؤولية ( العقابية ، والأخلاقية ) يختلفان كذلك ، بصورة أوضح في آثارهما ، أكثر مما يختلفان في نقطة انطلاقهما . وإذا كان الشّر يكمن أساسا في مبدأ الإرادة ، فمن البدهي أنّ المذنب ينبغي أن تبرأ ساحته بمجرد تغييره لموقفه من القانون ، ولسوف يكون بالفعل بريئا في نظر الحكم الأعظم . ولقد أفاض القرآن وعودا جميلة لأولئك الذين يرجعون عن ذنوبهم ، فهل الأمر كذلك بالنسبة إلى الحدود الّتي تفرض في الحياة الدّنيا ؟ هل تكفي التّوبة ، والنّدم ، والعدول عن الذنب لتخليص المذنب من العقوبة الّتي كان يجب أن يتعرض لها ؟ . لقد واجه القرآن بالنسبة إلى حالة واحدة هذا السّؤال ، وأجاب عنه بالإيجاب ، وتلك هي حالة التمرد على العدالة بالقوة السّافرة ( الحرابة ) ، فتبعا لخطورة الحالة - وقد ترك القرآن للقاضي ، أو المشرع أمر تقديرها - يستحق المحاربون حدّ الموت ، أو تقطيع الأعضاء ، أو النّفي : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » . ولكن يجب أن نلاحظ أنّ هذه هي الحالة الوحيدة في الشّريعة الإسلامية ، برغم النّقاش الّذي أثاره هذا النّص بين
--> ( 1 ) انظر ، صحيح البخاري : 3 / 235 ، سنن الدّارقطني : 4 / 239 ح 126 و 127 ، مسند أحمد : 6 / 307 ، السّنن الكبرى : 10 / 143 و 149 ، سنن ابن ماجة : 2 / 277 ح 2317 ، سنن أبي داود : 3 / 301 ح 3583 ، سنن التّرمذي : 3 / 624 ح 1339 ، سنن النسائي : 8 / 233 ، وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام : ( قال كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يحكم بين الناس بالبينات والأيمان في الدّعاوى فكثرت المطالبات والمظالم فقال : أيّها الناس إنّما أنا بشر . . . ) ، كما جاء في كتاب وسائل الشّيعة : 18 / 169 ، والكتب الفقهية والحديثية . ( 2 ) المائدة : 33 - 34 .